عبد الملك الجويني

436

نهاية المطلب في دراية المذهب

والمعتمد في مقصود الفصل الأخبارُ ، والذي تخيله العلماء من الأمر الكلي أن حاجات الغزاة تمس إلى الطعام ، والغالب أنهم لا يَلْقَوْنَ في ديار الحرب أَسْوُقاً قائمة ، فأطلق الشرع أيديَهم فيما يصادفونه من طعام المغنم ، ينبسطون فيه على قدر الحاجة ، والفقيه لا يلتزم طردَ معاني الأصول على حدود الأقيسة ، وإنما يَنْظم فيها أموراً كلية . ومقصود الفصل يتعلّق بأنواعٍ : أحدها - في جنس ما يجوز التبسط فيه ، والآخر - في المكان ، والآخر - في حدّ من يجوز له الأخذ . أما الجنس ، فالمعتمد أن يكون مقتاتاً أو يكون علفاً تستقلّ الدّواب به ، كالشعير والتبن وما في معناهما ، فأما الأدوية والعقرات ( 1 ) التي لا تستعمل إلا دواءً ، فالأيدي مكفوفة عنها إلى أن تقسم ؛ فإن مسيس الحاجة إليها تُلحق بالنوادر ، حتى قال الأصحاب : لو مَرِض من الجند واحدٌ أو جمعٌ ، فلا تصير الأدوية في حقهم كالأقوات والعلف . ولكن إنما يأخذونها بقسمةٍ أو بذل قيمة ، كما لو مست الحاجة إلى الثياب وغيرها . والمطعومات التي لا تعدّ للحاجات العامة ملتحقة بالأدوية كالسكّر ، والفانيذ ، وما في معناهما . وأما ما يطعم غالباً ، وليس من الأقوات كالفواكه ، ففي جواز التبسط فيها وجهان : أحدهما - يجوز لما روينا مطلقاً عن ابن أبي أوفى أنه قال : " كنا نأخذ من طعام المغنم ما نشاء " . والوجه الثاني - أنه لا يجوز ؛ لأن الحاجة لا تتحقق فيها ، ويمكن أن نفصل بين ما يتسارع الفساد إليه ، ويعسر نقله ، وبين ما لا يتسارع الفساد إليه . فإذاً الأقوات والعلف محلُّ التبسط ، والأدويةُ والأطعمة التي لا يعم أكلها في أعيانها ملتحقة بالثياب ، وفي الفواكه التي يعم اعتيادها الخلافُ الذي ذكرناه ، فأما الحيوانات ، فما تيسّر من سوقها تساق ، والغنم تذبح ، والأصح أن مسلكها مسلك

--> = العدو ، ح 2701 ، ابن حبان ، ح 4805 ، البيهقي ، 9 / 59 ، التلخيص : 4 / 208 ح 2260 ) . ( 1 ) كذا : " العقرات " وواضحٌ أن المراد بها أصول الأدوية ، والمنصوص في المعاجم أن مفردها ( عَقَّار ) بوزن عطّار ، وجمعها ( عقاقير ) .